حوادث

قصة جحود ابن قام بحبس والدة – قصة أبكت ضباط الشرطة

كتب / خالد مجدى

امتلأت الصحف والكتب قديمًا بأمثال وجُمل وقصص تُحذر وتُسجل عقوق الأبناء تجاه آبائهم، لكنَّ أيًّا من تلك الأمثال والحكايات لم يكُن بطلها وسيئ الذكر فيها يُمثل ولو جزءا ضئيلا من جحود بطل قصة اليوم، التي باتت حديث الساعة وعنوانا ومضربا لمثل وصفه الكثيرون بأنه علامة من علامات الساعة؛ بعدما تعمد الابن، الذي يُوشك أن يُتم عامه السابع والأربعين، استغلال أمية وجهل وحُسن نية والده لكي يزُج به خلف القضبان ويجعل منه نزيلا يجاور ذوي الإجرام، لا لشيء إلا لأن شيطانه أعماه وبلغ الطمع منه مبلغًا ليطلُب المزيد ويرفض أي وساطة تحول بينه وبين قسوة قلبه على أبيه

على بُعد أمتار من مدخل مدينة الإبراهيمية، الواقعة شمال محافظة الشرقية، وبينما يستعد الجميع لاستقبال نفحات شهر رمضان الماضي، كانت سيارة الشرطة تُبطئ مُحركها، ويترجل منها قوات تنفيذ الأحكام التابعة للمركز، يتقدمهم أحد معاوني المباحث، إذ توقف الجميع أمام منزل رجل عجوز طاعن في السن، بلغ من العمر أرذله؛ تنفيذًا لدعوى انتهت بحُكم قضائي واجب النفاذ بالحبس لمدة عامين، لكن القبض على الرجل لم يكُن بالسهولة التي يتخيلها قائد القوة، الذي هبطت دموعه فور أن رأى المطلوب ضبطه الحاج «صبري إبراهيم عيد» البالغ من عمره خمسة وسبعين عامًا

«والله ما كُنا عاوزين ناخده، لكن ابنه قدم فيا مُذكرة لمدير الأمن».. جُملة خرجت بصوتٍ مصحوب بُبكاء على لسان قائد القوة، وهو يشير إلى أن نزولهم للتنفيذ وضبط الرجل العجوز كان تنفيذًا لطلب عاجل تقدم به نجله المدعو ابن السابعة والأربعين عامًا، إلى مدير أمن الشرقية، إذ اتهمهم فيه بالتقصير في أداء عملهم وعدم ضبط والده، وفقَ ما يوضحه «عمرو» نجل الأب المحبوس وشقيق صاحب الدعوى

جحود «صبري» لم يكُن وليد يومٍ أو اثنين، لكنه قصة عقوق بدأت أحداثها قبل أكثر من ثلاثين عامًا في صيف عام 1987، وقتها كان الابن بالكاد أتم ربيعه السابع عشر، شاب أهوج جعلت منه سنوات الدراسة ناجحًا فيما عجز عنه والده الذي منعته أميته من «فك الخط»، فكان الصغير يستغل ذلك بأن يقوم بتسوية شيكات وإيصالات أمانة يُحررها الأب لأغلب المتعاملين معه؛ تبعًا لعمله كصاحب ورشة حدادة تختص بصناعة الآلات الزراعية من محاريث وماكينات ري، إذ يدفع صاحب الآلة «عربونا» يُسجل في إيصال أمانة أو شيك لحين الانتهاء من صنعها خلال مدة لا تتجاوز الشهرين على الأكثر، في منهاج عمل بات روتينيًا إلى حدٍ ما، ومعه بدأ شيطان الطمع يبُث سمومه في أذن الابن بأن يستغل الفرصة وجهل والده.

لم يُكذب الابن خبرًا أو يصُد شيطانه، فراح يعُد العُدة لذلك بأن جعل والده يوقع شيكًا دون أية بيانات أو رصيد لأحد البنوك، بدعوى أنه ضمان لعربون أحد الزبائن، لكن المكيدة ظهرت بعدها بأكثر من أربعة عشر عامًا؛ حينما فوجئ الأب بمُحضر يُعلمه فيها بدعوى قضائية رفعها عليه نجله يُطالبه فيها بسداد مائة وخمسين ألفًا من الجنيهات.

كادت الصدمة تحصُد معها عقل الأب، الذي أخذ يستعيد ذكرياته وحنانه مع نجلة التي وصلت إحداها إلى أنه كان يقوم بإعطائه ألف جنيه كي يشتري ملابس جديدة كلما جاءت مناسبة أو عيد، وذلك في الوقت الذي كان ذاك المبلغ كافيًا لجلب ملابس أسرة كاملة بأطفالها ونسائها، حتى أن إخوة «صبري» وصفوه بـ«الحيلة المتدلع» الذي كان قُرة عين والده وكأنه لا يرجو من الدنيا سواه، على الرغم من أنه كان واحدًا من بين تسعة إخوة، بينهم ولدان، لكنَّ صبري كان المُفضل دائمًا وصاحب مكانة خاصة في قلب الأب.

التقط «عمرو» أطراف الحديث من جديد، ليشير إلى الفترة التي تبعت علم والده بالدعوى المرفوعة ضده، إذ إنه «فضل طافش في الدنيا»، قبل أن تهتدي قدماه إلى أقاربه آنذاك في مدينة العريش، لكن «صبري» وبجحود تحسده عليه الشياطين، أخذ محاميه وذهب إلى هناك محاولا اقتياد والده إلى الشرطة، لكن ذلك لم يحدُث وقتها، فانتهى الأمر بأنه «كان مقعد ناس علشان يراقبوا أبوه» وفقَ كلمات شقيقه

استعان الأب المكلوم بأحد المُحامين كي يوقف الحُكم أو يردع ابنه عن كسره أكثر وأكثر، لكن المحامي لهث خلف الجنيهات التي ألقاها الابن وأضر بخط سير القضية؛ إذ رفضَّ تقديم المستندات التي جلبها الوالد، التي من شأنها أن تُعيد الأمور إلى نصابها، وعوضًا عن ذلك طعن في صحة الشيك

على مدار سنواتٍ تخطت السبعة عشر راح الجميع يستعطف قلب «صبري» عسى أن يُثنيه عن عناده، لكن الرد كان واضحًا على لسانه من بداية السنوات: «يتنازل لي عن كل ما يملك أتنازل له عن القضية»، ضاربًا بكل الوساطات عرض الحائط، بل وزاد الطين بلة بأن تقدمَّ بشكوى «حق مدني» رافقت طلبًا بتنفيذ الحكم الأول، لينتهي الأمر بأن دسَّ كثيرين لكي يتم تنفيذ الحُكم والقبض على والده، حتى وصل الأمر إلى أن تقدم بمُذكرة إلى مدير أمن الشرقية يتهم فيها قوات تنفيذ الأحكام بالإهمال في تنفيذ واجباتهم بضبط وإحضار والده للتنفيذ عليه.

ولم يهنأ لـ«الجاحد» بالا إلا والشرطة تحيط بالأب ليُغادر بيته في طريقه للسجن، وبين هذا وذلك وقفت استغاثة «عمرو» وإخوته على جُملة واحدة: «حسبي الله ونعم الوكيل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: